الخميس، 5 أبريل 2012

أحسَبها بألفٍ مما يعدون!



إذا سألت أحدهم مع أم ضد نزول المرأة للتظاهرات؟!.. سيجيب فورًا بعصبية مفتعلة قائلًا " بالطبع لا" ثم يبادرك هو بسؤالٍ إنفعالي " هل توافق أن تنزل زوجتك في مظاهرة؟! هنا قد تتلعثم ولا تعرف بماذا تجيب؟! أعلم أنك تريد ألا يتتبعك بنظرة احتقار وأنت منصرف، ولكن لا عليك يا صديقي.. سأجيب عنك أنا هذا السؤال.. إنني أتشرف وأفتخر بأن تنزل زوجتي تظاهرة لتنادي بحرية ألاف الرجال وبحقوقهم المسلوبة، ولكن لسوء الحظ لم أتزوج بعد!
عندي أسبابي التي تجعلني أتشرف بخروج زوجتي في تظاهرة، فثورتنا "المسلوبة" كانت نموذجًا عبقريًا تجلى فيه  دور المرأة المصرية، ولقد رأيت نماذجًا تكاد تبكي لروعتها وعظمتها، فلن أنسى أبدًا يوم جمعة الغضب عندما رأيت مشهد إمرأة - يفترض أنها متسولة – تحمل رضيعها على كتفيها وتنادي بعلو صوتها "الشعب يريد إسقاط النظام" ياالله لكم دوى صوتها في أعماقي! صوتها الضعيف المبحوح ينادي "الشعب يريد إسقاط النظام"!.. وتلك المرأة العجوز التي تتكئ بيدها على إبنتها وبيدها الأخرى على عصا تصرخ فينا "خليكوا رجالة - مشوه من البلد"، أقسم بأنني كنت أشعر بضآلة في نفسي لم أشعر بها أبدًا، وودت لو أقبل قدميها شكرًا لها وامتنانًا، ولم يتوقف دور المرأة عند التظاهرات وحسب، بل رأيناها في اعتصامات  التحرير في أكثر الأيام خطورة، بل ورأينا أيضًا بعض نساء الإخوان حاضرات في قلب التظاهرات والاعتصامات، وكانت المرأة حينها تقف في الصفوف الأمامية مع الرجال عند الاشتباك مع الأمن أو مع البلطجية وقت أن كان يحرم بعض من في البرلمان الآن الثورة والخروج على الحاكم!

وتتابعت الأحداث بعد التنحي وكانت المرأة المصرية حاضرة وبقوة في كل الاعتصامات الثورية ، وتعرضت لانتهاكات جسيمة من سحل وضرب وتعرية وكشف للعذرية وغيرها من الإنتهاكات، وصمدت المرأة المصرية بشموخها المعتاد طوال أكثر من عام، وكرمها العالم بأكمله وتفاخر بها، ومازال يهينها البعض ويعتبر خروجها من أجل الحرية والسعي من أجل الكرامة عارًا!! وتناسى هؤلاء أن الجبن والخضوع للظلم وللإهانة أكبر عار في الدنيا.. فكل الاحترام والاجلال لكل إمرأة تدافع عن قضية وتحارب من أجلها، فإني والله أحسبها بألفٍ مما يعدون! 



ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
5/4/2012

رابط المقال على موقع العرب اليوم
http://www.arabstoday.net/fuqkgj-fkgg-gejmqkq-hceb-ffg-kyig-259861.html

السبت، 31 مارس 2012

فريق "إمسك حلم".. ُحلمٌ أسرني!



لم أكن يومًا من هواة إرتياد المسارح، ولم أرهق نفسي في البحث عن فرقة مسرحية تجسد لي عبقرية ما أقرأه من مسرحيات، بل كنت أرى في الفرق المسرحية الموجودة ركاكة لا ترقى لتجسيد روعة ما أقرأه من إبداعات أدبية طالما همت بها وإستمتعت بقراءتها تحت ضوء أباجورتي العتيقة، ولكن هذا الرأي وهذه الفكرة لم تكن إلا تقصيرًا مني في متابعة المسرح، وإهمالًا لا أنكره في متابعة فنون قد تغير وجهة نظرك في الحياة وفي الكون وفي أسباب العيش وسبلها بأكملها، لم أكن قد كونت رأي عن الفن بأكمله، فكنت أرى منه الهادف ومنه المسف، وللأسف كان يطفو على سطح حياتنا اليومية المبتذل منه، وإنتشرت في السنين الأخيرة وجهات نظر وفتاوى دينية تحرم الفن بأكمله، لم أكترث كثيرًا لكل هذا الصخب المجتمعي الموجود وأكتفيت بأن أظل قابعًا في كوخي الذي صنعته في خيالي لأقرأ وأتعلم من الأدب، إلا أن جاء اليوم الذي تغيرت فيه رؤيتي عن المسرح أو بالأحرى تكونت.


 كان يوم حفل إفتتاح "برلمان شباب الأسكندرية" بمكتبة الأسكندرية الخالدة، والذي نظمه شباب "مبادرة أدوار" الأكثر من رائعين، والذي قادني القدر وحده لحضوره، حضرت الحفل إلى نهايته وقبل أن أستعد للرحيل ظهر على المسرح شاب لم أره طوال الحفل فلم يكن أحدًا من المقدمين أو المنظمين.. أخذ يختال على المسرح ويلقي بالقفشات والنكات لم أستسيغ أسلوبه في البداية ربما لأني لم أكن أعلم ماذا يحدث بالضبط ، ولكن بعد قليل من من التركيز مع هذا الشاب، بدأت أضحك وأضحك إلى أن كدت أموت ضحكًا، إنه عرض مسرحي - حينها فقط أدركت - .. بدا العرض كوميديًا، وقلت في نفسي لنروح عن أنفسنا قليلًا بعد العصف الذهني الذي كنا فيه منذ قليل.. بدأ العرض وأخذ أعضاء الفريق بالظهور على المسرح واحدًا تلو الآخر، وبعد قليل ُغصت في عمق العرض وفي فكرته، كان العرض يصور مأساة شاب وفتاة لا يستطيعون إلى الزواج سبيلًا.. لخص العرض ببساطته وأسلوبه الساخر - الأكثر من رائع – مصربكل ما تعانيه من مشاكل تلخصت في أزمة محبين لا يستطيعون الزواج.. كان العرض رائعًا بكل ما تعنيه الكلمة، وأكثر ما أبهرني هو الأداء المدهش لكل أعضاء الفريق.. "فريق إمسك حلم".. خرجت بعدها من الحفل متناسيًا كل تفاصيله عدا العرض المسرحي، وكأن الحفل بأكمله تمخض ليقدم لنا هذا العرض العبقري.. كان إسم العرض "بكره".. وتمنيت أن يأتي "بكره" لأرى هذا الفريق أعظم فريق في مصر والعالم، ويجوب أنحاء المعمورة بإبداعه ليصل بعبقرية الفن المصري إلى وجدان العالم بأكمله، كما وصلوا إلى وجداني وغاصوا فيه، خرجت يومها من العرض بشعور من الرضا عن النفس لا أصل إليه إلا قليلًا، وكأني أنا من قدمت العرض وكأنني من أبدعت، كان يومًا بديعًا بحق، وتمنيت لو أرى كل المسرحيات وكل الروايات التي أقرأها وسأقرأها عرضا حيًا.. حينها فقط أدركت قيمة الفن وقيمة المسرح وكيف أنه يهذب النفوس، ليست النفوس فقط وإنما الفكر أيضًا.. لا يسعني إلا أن أقدم جزيل الشكر والعرفان بالجميل لجميع القائمين على العرض، فأنا مدين لهم بكل المشاعر الطيبة التي حملتها وبكل فكرة راقية داعبت ذهني، وبكل قيمة رسخت في وجداني.. وما أتمناه وأحلم به أن أرى في بلدي فنًا كهذا وأن يسلط عليه الضوء، فهذا الحلم لا يقل في قيمته عن كل حلم حلمنا به قبل الثورة وزاد التشبث به بعد الثورة.. فبكل صدق هذا الفريق "إمسك حلم" حُلمٌ أسرني!




ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة 
31/3/2012
الرابط الخاص بصفحة فريق "إمسك حلم" على الفيس بوك
https://www.facebook.com/pages/%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%85%D8%B3%D9%83-%D8%AD%D9%84%D9%85-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/172900159452730

الثلاثاء، 27 مارس 2012

بالمنطق.. لا أرى أبو إسماعيل رئيسًا!



أحب كثيرًا الآراء المبنية على المنطق والتفكير العقلاني، وأمقت تلك المبنية على الانتمائات والإيدلوجيات، فليس لمجرد أنني لا أنتمي للتيار الإسلامي أحكم على من ينتمي إليه بالفشل أو بعدم الصلاحية لأمرٍ ما، ونحن الآن بصدد إختيار رئيسًا للجمهورية، وهو أرفع منصب في الدولة، مع العلم أن صلاحيات الرئيس مازالت في علم مكتب الإرشاد.. إلا أننا سنهيئ أنفسنا لاختيار رئيسًا ربما تكون له صلاحيات كبيرة، فلابد من اختيار الأصلح والأجدر لقيادة دولة  من بين عشرات الأسماء المطروحة.
ومن بين جميع المرشحين وبرؤية بسيطة للموقف ترى أن هناك حشدًا هائلًا لدعم أبو إسماعيل من التيار السلفي، يذكرني بالحشد للانتخابات البرلمانية ومن قبلها التعديلات الدستورية، وهذا ما يجعلني أرى الفرصة كبيرة لفوز حازم صلاح أبو إسماعيل، فنتيجة الحشدين السابقين معلومة للجميع، ولكن دعونا نتجرد من كل هذه النتائج والحشود ونحكم على المرشح حازم صلاح أبو إسماعيل بمنطق وحيادية. 
في البداية أنا أحب هذا الرجل وأقدره لنقائه وبساطته، حتى وإن اختلفت معه في الفكر والمنهج، فهو شخص يستحق كل الاحترام والتقدير، ولكن نحن هنا ليس لنقد شخصه، وإنما نحن نستعرض قدراته التي تؤهله لقيادة دولة.

أولاً العمل العام: من المفترض في رجل يطرح نفسه للناس مرشحًا للرئاسة أن يكون له باع طويل من الكفاح في العمل العام، والمشاركة الفاعلة والنشطة في الحياة العامة، وهذا لم نره من الشيخ حازم قبل الثورة، فغالبية من عرفه من الشعب المصري لم يعرفه إلا بلقب الداعية أو الشيخ، ولم يعرفه الناس يومًا ناشطًا حقوقيًا بحكم عمله في المجال الحقوقي، أو رئيسًا لنقابة المحامين، أو نائبًا برلمانيًا، أو في أي مكان يؤهله للعمل العام والتفاعل مع مشاكل الناس، فليس هناك ما قدمه أو ما يميزه في العمل العام ليقدم نفسه من خلاله مرشحًا لرئاسة الجمهورية! فشأنه كشأن آلاف المحامين المحترمين!

ثانيًا النضال السياسي وحلم التغيير: أعتقد أن رئيس ما بعد الثورة لابد أن يكون من أولئك الذين دعوا للثورة وكانوا ضمن وقودها، فأقدر شخص على إتمام أي عمل هو من بدأه أو من شارك في الإعداد له على الأقل، والرئيس القادم من المفترض أنه من سيحقق مطالب الثورة، أما الأستاذ حازم صلاح أبو إسماعيل شأنه في الثورة كشأن الملايين المشاركة، وموقفه قبلها – وقت أن كنا نحلم بها – لم يتعدى التلميح وليس التصريح، وإن صرح أحيانًا في ندوة أو برنامج تلفزيوني، ولكنه لم يشارك يومًا القوى الوطنية في مواجهة نظام المخلوع، فأين كان الشيخ حازم وقت أن كان ُيسحل الدكتور عبدالوهاب المسيري المفكر الإسلامي الكبير أمام نقابة الصحفيين في أثناء المشاركة في فعاليات حركة كفاية؟! أين كان من أحداث 6 إبريل في المحلة عام 2008؟!! لم أرى له موقف مسجل واحد يدعم فيه أحداث المحلة أو أي من الفعاليات الثورية قبل الثورة، أين الشيخ حازم من الجمعية الوطنية للتغيير التي حملت ُحلم الثورة؟!! وطافت به أنحاء مصر والعالم، الخلاصة أن الشيخ حازم لم يشارك في أيٍ من الفاعليات الثورية قبل الثورة بخلاف بعض أقرانه من المرشحين ومنهم على سبيل الذكر الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والأستاذ حمدين صباحي، ففرسان التغيير هم أحق بقيادة البلد، ولمن لم يعرف، أنه لم يتم إعتقال الشيخ حازم مرة واحدة في تاريخه، وليس الإعتقال بمقياس، ولكنه مؤشر من مؤشرات النضال السياسي، وضريبة دفعها كل من آمن بالتغيير.. فكيف سيحقق التغيير من لم ينادي به ومن لم يدفع ضريبة النضال من أجله؟!!

ثالثًا الوضع الخارجي والعلاقات الدولية : أعتقد أنه من الواضح للجميع أن الشيخ حازم رجل طيب وخبرته واسعه جدًا في مجال "الجلسات العرفية"، كما قال هو في لقائه الأخير مع خيري رمضان، أستحلفك بالله ياشيخ حازم هل يصح أن يكون مؤهل رئيس جمهورية هو الخبرة في الجلسات العرفية؟!! ألا يستحي مرشح لرئاسة جمهورية من المفترض أنه سيجالس زعماء العالم أن يقول أن هذا ضمن خبراته الواسعة!! الشيخ حازم ليست لديه أي علاقات خارجية أو خبرات دولية ُتذكر بخلاف رحلته للولايات المتحدة أثناء انتخابات الرئاسة هناك، فالشيخ حازم لم ُيشارك في أي منظمة دولية، ولم نسمع أن بحث من أبحاثه الدستورية العظيمة - الذي لم يترك مناسبة إلا وتحدث عنها – ُنشر في مجلة عالمية مختصة بالقانون، أو حاز على جائزة عالمية بسبب دراسة من دراساته العظيمة.. أظن إن كان لدى الشيخ حازم أي خبرة سياسية ُتذكر فهي إمتهانه للمحاماة نفس مهنة  الرئيس الأمريكي أوباما، وذلك على حد قول وإدعاء الشيخ حازم نفسه!!

رابعًا البرنامج الإنتخابي : من الطبيعي أن يكون الكلام الجميل والمنمق جذاب، وإذا كانت الطريقة لطيفة وودودة فسيحوز على إعجابك فورًا، حتى إن لم يكن منطقيًا أو واقعيًا، وأكثر ما أعجبني في برنامج الشيخ حازم هو أسلوبه الجميل والهادئ في عرضه، أما البرنامج نفسه فمجرد أحلام كالتي كنت أحلم بها كل ليلة قبل النوم منذ كنت صغيرًا، وهذه الأحلام تفتقد للآليات والإمكانيات والموارد، وما يتحدث به الشيخ حازم ليس أكثر من كلام إنشاء بديع من الممكن جدًا أن يكتبه طالب نجيب في الصف الثالث الإعدادي، وقد نسف الشيخ حازم برنامجه الانتخابي في لقائه الأخير مع خيري رمضان نسفًا، وذلك عندما قال إن الأرقام المتداولة  - خصوصًا الإقتصادية منها - والتي إعتمد عليها في برنامجه كان فيها تلاعب كبير من قبل النظام السابق، وأنه يحتاج أربعة أشهر لكي يقوم بمراجعة دقيقة لتلك الأرقام!! العجيب هنا أن الشيخ حازم بنى برنامجه وتصوراته وحلوله على أرقام هو يعرف أنها خاطئة، فالشيخ حازم هو المرشح الوحيد الذي وضع حلولًا تفصيلية لكل المشاكل، مع أنه لا يعرف أبعاد تلك المشاكل بصورة واضحة وبالتفصيل كما ذكر هو بنفسه، إذن فما الداعي أن تقدم وعودًا وليس في يدك تنفيذها، الداعي الوحيد هنا ياسادة هو كسب مزيد من أصوات الغارقين في أحلام اليقظة ، ليس إلا!!

وفي النهاية أكرر بأني لا أنتقد شخص الشيخ حازم الكريم، ويعلم الله كم أحمل لهذا الرجل من حب وتقدير وإحترام، ولكني إستعرضت وناقشت قدرات رجل يقدم نفسه للشعب ليختاره رئيسًا، وهذا طبيعي ومقبول خصوصًا إذا كان النقد موضوعي، وأدعو الجميع إلى التفكير المنطقي المجرد من العواطف الآن حتى لا يسقط الوطن، وأدعو إلى تغليب مصلحة الوطن على مصلحة انتمائتنا وأيدلوجياتنا.. وأسأل الله سبيل الرشاد لي ولكم ولوطننا العزيز.


ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
27/3/2012

الأربعاء، 21 مارس 2012

شكوى على ضفاف الموت - قصة قصيرة -


كعهدي منذ زمن أنساب على المدق العتيق في طريقي إليه كما ينساب الماء في مجراه، أهفو إليه كعصفور ُمشتاق لعشه، فهناك في مرمى العين يرقد في سكون، أنتظر لقائه دائمًا بين الفينة والأخرى، فقد إعتدت أن ألقي إليه بهمومي وأذيب في حضرته أحزاني، ُأكمل مسيرتي إليه والنفس فيها ما فيها من إشتياق.. أقترب فتظهر لي في الأفق شواهد القبور، تحضر الرهبة في نفسي كلما أتيت إلى هنا كأنه أول لقاء، أتذكره كأنني كنت معه بالأمس، فتحضرني الآن إبتسامته فأرفع رأسي إلى السماء قائلًا: كم أنت عظيم ياربي تنبت في جسدِ فانٍ إبتسامة فتصبح ذكرى بعد الرحيل!.. سبحانك ربي لك الأمر من قبل ومن بعد!
أقترب أكثر ويوشك المدق أن ينتهي، أنظر خلفي فأرى دنيا الأحياء من بعيد بمجونها المعتاد، وبسمائها المصبوغة بلون الشفق الضارب للحمرة، فأعود وأنظر أمامي فأرى مدينة الموت يكسوها السكون، فلا مجون هنا ولا صلاح، فالكل أفضى بعمله إلى الله ورقد في سكون أبدي لا يعكر صفوه إلا صخب مرافقي الأموات حديثي العهد بهذه المدينة، أسلك طريقي إلى القبر المنشود فقد اعتدت ان تأخذني قدماي إليه دون أن أتكبد معاناة البحث، فأنا الزائر القديم الذي لم ينقطع عن الإتيان هنا منذ زمن بعيد، فكل السكان هنا أعرفهم بالاسم، نعم أعرفهم بالاسم فقط.. فعلى يميني هنا يرقد المرحوم عباس الهواري وعلى يساري يرقد المرحوم أحمد ماضي المتوفي عام 1963، فليس هنا أكثر من الأسماء وتواريخ الوفاة التي إعتدت أن آنس بقرائتها حتى أصل إلى قبر والدي، القبر الوحيد الذي لا يعلو شاهده اسم أو تاريخ وفاة، ولكني أعرفه من بين ألف قبر، فلونه الأخضر يسكن في وجداني.. الآن أقف أمام القبر والآن أيضًا أشعر بحرارة اللقاء، ألقي السلام أولًا ثم أشرع في قراءة الفاتحة "............ ثم أختم بـ "آمين".. أجلس أرضًا أخاطب والدي "كيف حالك ياوالدي العزيز أعرف أني منشغل عنك بالدنيا وهمومها، ولكنك تعرف أني أجئ إليك لكي ألقي بأحمالي هنا عندك، فليس لي بعد الله سواك، فالدنيا قاسية بدونك، لقد تركتني أصارع وحوشًا لا بشرًا.. لقد فقدت عملي والحياة في غاية الصعوبة، وكما تعلم أمي مريضة لاحول لها ولا قوة، حتى من أحببتها يا أبي تزوجت بغيري، فطريقي طويل وهي لا تحب الانتظار – فليوفقها الله في حياتها الجديدة -، فقدت كل شئ تقريبًا يا أبي ولكن ربما إنها الحكمة الإلهية الخالدة في فقدان كل شئ، ثم أجد في نفسي نبت من أمل ُيعيد لي أعظم من ما فقدته، وأنت يا أبي أملي وزاد روحي، تذكرك سلوان لي في أحلك الظروف، فليس لي سوى الاستعانة بالله والجلوس عندك هنا علّي أتخلص من همومي لديك.
أهم بالوقوف أمام القبر لأرى في الأفق البعيد مدينتنا فهناك البشر الذين لا نعترف بأدميتهم أحيانًا إلا هنا في قلب الموت.. هنا فقط يجول في خاطري الواقع المرير الذي تركته وجئت هربًا منه إلى هنا كما تعودت.. أتذكر أبي القاطن في تلك المدينة البعيدة، أبي الذي لم أره يومًا أبي إلا في هذا القبر، ياله من واقع صادم.. أزور أبي الحي في القبر وأقرأ له الفاتحة.. أناجيه وأشكو له حالي هنا وهو هناك حي يرزق، ولكن ماذا عساي أن أفعل؟! وما السبيل إليه في الدنيا وهو دائم الهجر والصد، أعرف طريقي إلى أبي هنا فقط منذ كنت صغيرًا أزور جدي، كنت أعاتبه على قسوته وجفائه هنا.. وبعد أن صرت رجلًا جئت أشكو له ُمر العيش علّ شكوايا تواسيني، أطرد الواقع المرير من رأسي.. ثم أعود لأقرأ الفاتحة لوالدي وأرحل في صمت.

تمت

ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
9/3/2012

الجمعة، 6 يناير 2012

ـ مشردون..!ـ

ـ

عزيزي لاعن الثورة والميدان.. عندما ترى صورة الطفل المشرد ذي الثياب الرثة في ميدان التحرير تشير إليه فوراً في تيه وكأنك اكتشفت قُبحاً أخل بجمال الصورة.. هل تعرف سيادتك من هؤلاء المشردون؟ وكيف وأين يعيشون؟! ومتى بدأ عهدهم مع تلك الحياة البائسة؟!.. بالتأكيد لا تعرف سيادتك غير أن هؤلاء هم مثال للمظهر غير الحضاري.. فحضرتك لا تعرف معنى أن يقضي أحدهم عمره في الشوارع.. يبحث عن قوت يومه بين أكوام القمامة، وإن كان محظوظًا يجد من يعطف عليه ببقايا وجبة، ويكون هذا هو عيده الأكبر.. نعم أعلم تمامًا أنك لا تُقدر كل هذا لأنك وإن بلغ بك الفقر مبلغه، فبالتأكيد  لديك أسرة من أب وأم محترمين وإن كانوا  حتى غير محترمين!، المهم أن لديك من يخاف عليك ويحتضنك في المصائب الكبرى.. ربما إنك لم تفهم ولم تعِ تلك المعاني لأنك لا تفتقدها، وأيضاً لن يعيها أبداً هذا الهرِم المدعو كمال الجنزوري الذي أبدى إندهاشه من وجود أطفال 12 عام وسط الثوار.. وكأن الظلم لا يقع إلا على من هم فقط في سن الرشد ويشترط أن يكونوا من أولاد الذوات!، وله عذره طبعاً في ذلك فهو لا يعلم ما يعانيه الشعب ولا ما يعانيه أطفال الشوارع الذين وقعت الحكومة - التي كان سيادته جزءًا منها - شهادة ميلادهم من الشوارع.. هؤلاء الأطفال يدافعون عن حقوقهم كالتي لنا.. يدافعون عن إنسانيتهم حتى ولو إختلفت تلك المصطلحات عندهم.. فبالتأكيد هم ليسوا طلاب مدارس أجنبية حتى ينتقوا لسعادتك الألفاظ التي لا تؤذي مسامعكم الكريمة.. هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد متسولين أو مأجورين - يستخدمهم بعض المنتفعين من الفوضى - كما تتصور سيادتك هؤلاء أبطال بمعنى الكلمة.. وأذكر من مواقفهم البطولية المتكررة أن أحدهم دفع أحد الأصدقاء خلفًا عندما إشتدت المواجهات مع الأمن قائلًا له " خليك إنت يا بيه البلد عايزاك.. إنت متعلم..!!" هذا هو شعورهم تجاه وطن يلفظهم وشعب يحتقرهم.. يضحون بأرواحهم وهم على قناعة أن البلد ليست في حاجة إليهم.. يموتون على على عتبة دار دفاعًا عنها والدار تأبى أن تأويهم.. هؤلاء الأطفال الذين نحتقرهم نحن في نظراتنا وفي مجالسنا ونصورهم بوجه مصر البائس ليسوا إلا نتاج ظلم وقهر وتخلف ارتضينا بهم صاغرين أمام حاكم جبار.. نحن جميعاً مدينون لهؤلاء الأطفال أمام الله ثم أمام أنفسنا.. لأننا تركنا الظلم يتوحش أمام أعيننا أعوامًأ وأعوامًا دونما أن نحرك ساكنًا.. وأخيرًا أقول إن هؤلاء الأطفال هم وقود ثورتنا وهم من نقف لأجلهم الآن بعد أن خذلناهم عقودًا طويلة.. فلن نخذلهم ثانيةً أبدًا ما دمنا أحياء.. وما ضاع حقًا أبدًا وراءه مطالب
برجاء مشاهدة الفيديو على هذا الرابط

http://www.youtube.com/watch?v=_YWxr22JcuU

السبت، 17 سبتمبر 2011

رأي الدكتور مصطفى محمود في تطبيق الشريعة

رأي د/ مصطفى محمود في تطبيق الشريعة :
  


من أكثر العقول رجاحة وصاحب ُأفق واسع، وقد حمى بأفكاره المستنيرة الإسلام الوسطي من الإنهيار والإضمحلال، خصوصًا بعد غزو الفكر الوهابي للعقلية المسلمة وتوغله في العمق الإسلامي.. فإلى رأي الدكتور مصطفى محمود في الشريعة:

"إن الشريعة ليست مجرد حدود .. فالعدل شريعة والرحمة شريعة والعلم شريعة والعمل شريعة والله أمر بالعلم والعمل في أكثر من ألف موضع .

وأمر بقطع يد السارق في موضع واحد, وأول الأوامر مطلقا كان "اقرأ باسم ربك الذي خلق"

وبرغم هذا الأمر الصريح بالقراءة وهو الأمر الذي له (أولوية) مطلقة في الإسلام فنحن أمة لا تقرأ ولا تعقل بل نفكر في المظاهرات والهتافات والمسيرات لنطبق الشريعة ..

ولكن ما هي الشريعة .. إنها هذا كله .. إنها العلم والعمل والعدل والرحمة ومكارم الأخلاق ..

وهي ليست مجرد حدود .. وما الحدود إلا سياج الأمن والحماية الذي تضربه الشريعة حول خيمة المسلمين ..

ولكن الشريعة ككل أكبر من موضوع الحدود فهي قانون الرحمة العام وقانون الحب ودستور النماء والتطور للمجتمع الإسلامي .

وما أقول هذا الكلام إلا حباً في الشريعة وتمسكا بها وخوفا عليها من سوء النيات وسوء التفسير وسوء الفهم وسوء التطبيق وحرصا عليها من متاجرة المتاجرين المتآمرين".

الخميس، 15 سبتمبر 2011

تُصبحون على حرية

تُصبحون على حرية



كان الظلام حالك, والأحداث تسير ببطء وسوء بالغين, كان هذا حالنا قبل العام 2011, عندما كانت المعارضة الرسمية زيلاً من زيول النظام القمعي, ولم تكن هناك أي شبهة للتغيير, ربما كانت هناك أحلام لبعض الشباب الحالم الذي يتمنى أن يرى مصر دولة مدنية حقيقية, تقدر قيمة الإنسان, وتخرج من مستنقع الفساد الإداري والثقافي والأخلاقي...... إلخ من أنواع الفساد .

وجائت ثورة الخامس والعشرون من يناير وكأنها فجر الحرية الذي طال انتظاره طويلاً, تفجرت الثورة بمجهود أولئك الشباب الذي لم يكن يعيرهم النظام اهتماماً, بل صورهم البعض بالنملة التي تسعى لزحزحة ذلك الفيل الضخم الجاثم على أنفاس البلاد والعباد, لكنها كانت إرادة الله التي تجلت في تلك الثورة العظيمة .

لكن ماذا بعد الثورة؟!! هل فعلاً غمرتنا الحرية وأصبحنا نسبح فيها كطفل فتنته مياه البحر؟! هل حقاً ولى عهد الظلمات دون رجعة؟!.. عبثاً أن نقول أننا ننعم بالحرية الآن, فنحن مازلنا غارقين في ظلمات عهد المخلوع, فكل الشواهد حولنا تُقر بذلك.. فبعد 25 يناير.. محاكمات عسكرية تعسفية غير عادلة.. تخبط وغموض في القرار السياسي.. غياب كامل لمضمون العدالة الاجتماعية.. إعلام فاسد ينتهج الكذب والتضليل.. وأخيراً عودة قانون الطوارئ في زيه الجديد الأكثر إثارة للزعر والرعب, فنحن مازلنا نعيش في عصر مبارك ولكن الفارق الوحيد أن نُقل مبارك من قصره إلى هذا المشفى الراقي المحاط بنفس حراسة القصر أو تزيد .

 إذاً متى سيأتي عصر الحرية؟.. لن تأتي إلينا الحرية بترديدها في هتفاتنا أو تكرارها في خطابات من يحكمون البلاد الآن من مجلس عسكري متخاذل ومجلس وزراء معدوم الإرادة والقرار.. لن تأتي الحرية إلا بنظامِ ديمقراطيِ اختاره الشعب, لن تأتي الحرية إلا عندما يقرها ويبلورها دستور يعبر عن جميع أطياف المجتمع, لن نشم ريحها الا عندما نتوافق على نظام عادل يعيش فيه الجميع سواء أمام القانون, فلا مفر من التوافق الآن على بناء هذا النظام لكي نتخطى هذه الفتره العصيبة من تاريخ بلادنا, وبغض النظر عن تلك الأيدلوجيات والأجندات اللعينة التي يتشبث بها البعض ممن لا يدركون أنه لا سبيل إلى تطبيق أيدلوجية ما بشكل صحيح إلا من خلال نظام ديمقراطي حقيقي, فيمكنهم حينها عرضها على الشعب بعيداً على الإبتزاز بإسم الدين أو بإسم المدنية والرقي, فبكل بوضوح يجب أن ينتهي الصراع الوهمي بين الإسلاميين والليبراليين, ويلتفت الإثنين معاً إلى بناء نظام يكفل للجميع المنافسه الحره النزيهه بعيداً عن أي استقطاب أو انتهازية .

أخيراً أقول إننا أمام أنبل الثورات على الإطلاق وأكثرها تحضراً ورقي, وربما ذلك يكون سبباً في أنها لم تكن حاسمة ناجزة, ولكنها إرادة الله التي يجب أن نؤمن بها ونتعامل معها بمنتهى الحكمة والحزم معاً .
 أتمنى على الله ألا تضيع دماء الشهداء هبائاً, فالشهداء الأطهار لم يقدموا أرواحهم لكي يحاكم حفنة من المجرمين سابقي الإجرام, لقد خرج أولئك الأطهار لكي ينعم أولادهم وأحفادهم بإنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم.. خرجوا لكي يزورنا فجر الحرية.. فلتُصبحون وتُصبح أرواحهم الطاهرة على الحرية .

عبدالحليم

إضائة على حضارة القوط الغربيين


إضاءة على حضارة القوط الغربيين


تُعد قارة أوربا من أكثر القارات إثراءًا للتاريخ البشري وتأثيراً في الحضارة الإنسانية، ويرجع أصل تسمية أوروبا إلى كلمة إيروبا أي إبنة العنقاء بحسب الأساطير الإغريقية، وبالإنجليزية phoenix، يُرجح أيضاً أن الاسم يعود إلى إيرب بالإنجليزية (Ereb) أي غروب الشمس.

وقد أثرت عوامل وحضارات عديدة في أوروبا بداية من الحضارة الهيلينية (اليونانية)، إلى ما تشهده الآن من ثورة تكنولوجية هائلة، وقد إخترت أن أقدم لكم اليوم واحدة من تلك الحضارات ونموذجاً من شعوب أوروبا، الذي أثر تأثيراً واضحاً على الحضارة الأوربية، ليست الأوربية وحسب إنما الحضارة الإسلامية أيضاً.

فقد أثرت على خريطة أوروبا منذ القرن الرابع الميلادي ثلاث عوامل مهمة ألا وهي الحضارة الهيلينية(اليونانية)، الحضارة الرومانية والديانة المسيحية، وبعد القرن الرابع ظهر العامل الرابع وهو القبائل الجرمانية التي كانت عامل مهم من عوامل إسقاط الإمبراطورية الرومانية, والشعب الذي نحن بصدد الحديث عنه هو القوط الغربيين والمنبثق بالأساس من القبائل الجرمانية، وقد كون القوط الغربيين مملكتهم في شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال حالياً)، وكانت عاصمتهم في البداية مدينة طليطلة، ويُعد القوط الغربيين من أكثر القبائل الجرمانية مدنية وقو، فقد كانت لهم أبجدية مكتوبة، ويعدوا أيضاً من أوائل الشعوب الجرمانية إعتناقاً للمسيحية وقد قدموا أول ترجمة قوطية للإنجيل على يد المبشر أولفيلاس, ويُعدوا أيضاً أكثر تأثراً بالحضارة اليونانية وتشبهاً بها.

وكانت سلطات الحكم مطلقة من الجهة النظرية للملك ولكن من الناحية الفعلية كانت السلطة الحقيقية بيد الأساقفة, فهم من يختاروا الملك ويسنوا القوانين، وكانت قوانينهم غير متسامحة فمنعت حرية الأعتقاد وكان على الشعب إعتناق المسيحية الصحيحة دون غيرها, وقد اضطهدوا اليهود كثيراً وأذاقوهم جميع أشكال القسوة، ولكن تلك القوانين راعت المساواة بين الرومان والقوط الغربيين أي حققت مبدأ المساواة (نسبياً)، وأصلحت الإجرائات القضائية بأن عمدت إلى شهادة الشهود في تقييم أخلاق المتهميين بدلاً من من شهادة الأصدقاء.

وقد شهد الشعب القوطي العديد من مظاهر الظلم والاستغلال من طبقة الأشراف وذلك تحت غطاء وحماية من الكنيسة والأساقفة الذين كانوا ينعموا بهدايا الأغنياء الكثيرة والمفرطة, وعند فتح المسلميين لأسبانيا عام 713 م، رحب بهم الشعب القوطي وإنصهرت الحضارة القوطية في بوتقة الحضارة الإسلامية وكونوا حضارة من أروع الحضارات الإنسانية على الإطلاق متمثلة في الحضارة الأندلسية.

ـــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
15/9/2011

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

نظرة نحو الشاطئ الآخر!!

نظرة نحو الشاطئ الآخر!!

عندما تتوقف بنا الحياة.. وتعود بنا الذكريات الى الماضي، تستوقفنا لحظات مؤلمة وأخرى سعيدة.. ننبهر من ذلك الماضي الذي يجمع بين كل تلك الإنفعالات.. تلك الدمعة عندما فارقت رفيق وهذه البسمة كانت في نجاح ..وعجباااه على ذلك الماضي الذي بكيت وضحكت وصرخت وهللت فيه.. تلك لحظة وجوم وتلك ساعات من الثرثرة المملة.. في تلك اللحظات كنت منهك وفي أخرى كنت مكتئب وبعد ذلك دب فيك الأمل والنشاط.. هذا هو الماضي بكل ما إحتواه من انفعالات ترجمتها الذكريات.. أتذكر عندما كنا صغار؟.. عندما كنا نخاف أن نقترب من الشاطئ وتقتلنا الرغبة في الإبحار.. كنا نظن حينها أننا مخيرون.. نبحر أو لا نبحر، لم نكن نعرف أننا مسافرون ولا مفر في بحار الدنيا ومحيطاتها, اليوم أصبح الماضي شاطئ بعيد ننظر إليه بإشتياق وحنين.. نعلم ما كان فيه ونعلم ما كان منا فيه.. اليوم نستدير وننظر أمامنا نحو الشاطئ الآخر الذي تبتلعه طلاسم القدر.. إنه المستقبل المُبهم والمُحير.. فدعونا نرى ما في الشاطئ الآخر من أمل .


عبدالحليم