الثلاثاء، 12 يونيو 2012

الحشاشون.. فرقة ثورية في تاريخ الإسلام

 
مُنذ فجر التاريخ تزدهر الحضارات وتضمحل الأخرى منها، وكضرورة إنسانية مُلحة بدأت تلك الحضارات الإحتكاك ببعضها البعض سياسياً وإقتصادياً وثقافياً، ومن هنا بدأت تظهر في أفق التاريخ تحالفات حضارية ساعدت على تقدم البشرية وثرائها الحضاري، وفي أفاق آخرى تظهر الصراعات الحضارية التي أنهكت البشرية وأورثتها نزاعات مريرة، ومن هنا يأتي استعراضنا لظاهرة المستشرقين التي أحدثت التقارب الحضاري في أحيان، وساعدت على تأجيج نير الصراع الحضاري في الحين الآخر، وصاحب كتابنا هو المستشرق البريطاني الأصل الأمريكي الجنسية اليهودي الديانة برنارد لويس، وقبل أن نُكمل تعريفنا بالمؤلف، دعونا نعرف معنى كلمة مستشرق؛ فقد تم تعريف كلمة مستشرق على أنه العالم المُلم بمعارف الشرق وحضاراته ولغاته وآدابه، وكان أول ظهور لكلمة مستشرق في اللغة الإنجليزية عام 1779، ويذكر أن الفرنسي د. جيرار دي أورلياك هو أول من إستشرق، وبالعودة إلى كاتبنا المستشرق برنارد لويس نجد أنه ولد لأسرة يهودية من الطبقة المتوسطة وشغُف منذ صغره بدراسة اللغات، وكان أول ما درس اللغة العبرية، ثم اللغة العربية والاتينية والتركية واليونانية وغيرها من اللغات الشرقية، وقد تخصص برنارد لويس في التاريخ الإسلامي، وإشتهر بأرائه السلبية من الاسلام والعرب، وقد عُين مستشاراً لوزير الدفاع ديك تشيني في عهد جورج بوش الابن، ويتضح لنا أن المستشرق برنارد لويس تعمد تسليط الضوء على الفرق الضالة في الإسلام لإظهار بعض السلبيات في التاريخ الإسلامي، وهذا لا يعفينا مطلقاً من قراءة الكتاب الذي يتضمن معلومات قيمة عن فرقة ضالة وجدت في التاريخ الإسلامي تُسمى بالحشاشين، وسوف أقوم بإستعراض الكتاب بصورة مبسطة تجمع المعلومات التاريخية المهمة في الكتاب علّ القارئ يستفيد بها، دون أن ينفق وقتًا طويلًا في قراءة الكتاب، وسأبدأ بإستعراض الكاتب لما ُعرف في الكتابات والموروثات التاريخية الغربية عن تاريخ الحشاشين وأصلهم.


إكتشاف الحشاشين
إستعرض الكاتب في بداية معرفة الغرب للحشاشين, وكانت تلك البداية عن طريق الحملات الصليبية التي غزت الشرق, وخاصة بلاد الشام التي كانت مركزاً مهما للحشاشين، ويذكر أنه عندما استعد فيليب السادس ملك فرنسا لغزو الشرق، أرسل له قس ألماني يدعى بروكاردوس، يحذره فيها من مخاطر الشرق وعلى رأسها الحشاشين، حيث قال "أذكر الحشاشين الذي ينبغي أن يلعنهم الإنسان ويتفاداهم، إنهم يبيعون أنفسهم، ويتعطشون للدماء البشرية ويقتلون الأبرياء مقبل أجر، ولا يلقون إعتبارًا للحياة أو النجاة"
ثم يتابع الكاتب معرفة الغرب بالحشاشين، ويذكر أن كلمة حشاش دخلت في الإستخدام الأوربي بأشكال مختلفة، وتعني القاتل المأجور"assassin" ويذكر الكاتب أيضًا رواية جائت على لسان أحد مبعوثين الأمبراطور فريدريك بربروسة إلى سوريا، حيث جاء في روايته تلك أن هناك عند تخوم دمشق وأنطاكية وحلب يوجد جنس معين من العرب يعيشون في الجبال يسموا بالحشاشين، ولهم سيد يلقي الرعب في قلوب الأمراء العرب القريبين منه والبعيدين عنه على السواء، حيث كان له أتباع يطيعونه طاعة عمياء، حتى إذا أمرهم أن يُلقوا بأنفسهم من فوق الجبل فعلوا، وكان يأمرهم بقتل من يشاء من الأمراء والملوك، وكان يطلق على هذا السيد أيضًا لقب "شيخ الجبل"، ويقول تأثرًا بهم أحد شعراء التروبادور (هم شعراء رحالة عُرفوا في القرن الحادي عشر، وكانوا ينتقلون من قصر إلى قصر جنوب فرنسا ليلقوا الشعر) لحبيبته " أنت تسيطرين عليّ بسحرك أكثر مما يسيطر الشيخ على حشاشيه الذين يذهبون لقتل أعدائه الفانين".
ويتابع الكاتب وصف "أسطورة الفردوس" التي ذكرها الرحالة ماركو بولو، الذ مر عبر إيران عام 1273، ووصف قلعة "ألموت"، التي كان سيدها شيخ الجبل الذي أغلق وادي بين جبلين، وحوله إلى حديقة فيحاء، وملأها بأنواع الفاكهة، وأقام فيها قصورًا ومقصورات، وجعل فيها أنهارًا تفيض بالخمر والعسل واللبن والماء، وكان يفتن أتباعه بهذه الحديقة ويوهمهم بأنها جنة الفردوس، ومن سيُقتل في سبيل تحقيق أهدافه سيرسل إليه ملائكته ليعيده إلى هذه الجنة!!

دراسات مبكرة


في هذا الجزء يقدم الكاتب بعض الدراسات الغربية التي إهتمت بدراسة الحشاشين، وكان صاحب أول دراسة عنهم هو دنيس بيتي دي باتيلي عام 1603، وكانت محاولة دراسة ضعيفة، وجائت الدراسة الثانية لكشف لغز الحشاشين على يد بارتولمي دي هيربلوت، وهذه الدراسة هي عمله الرائع المسمى بالمكتبة الشرقية، ومن أهم الدرسات التي تناولت تاريخ الحشاشين، هي "تاريخ الحشاشين" التي قام عليها الكاتب النمسوي جوزيف فون هومر، وكان ينظر في دراسته للحشاشين على إنهم "اتحادًا من الدجالين والمغفلين استطاعوا تحت قناع التشدد الديني والأخلاقي الإساءة إلى كل الأديان والخلقيات، وأن هذه الجماعة من السافكين الذين سقط تحت نصال خناجرهم أسياد الدول ظلوا أقوياء لأنهم ولمدة ثلاثة قرون استطاعوا أن يبثوا الرعب في قلوب الجميع إلى أن سقط وكر الوحوش في يد الخلافة التي كانت منذ البداية هدفًا للتدمير بأيديهم كرمز للسلطة الروحية والزمنية للمسلمين.

أتباع أغاخان

يروي الكاتب في هذا الجزء زيارة القنصل الفرنسي روسو في عام 1811 برحلة من حلب إلى إيران بحثًا عن وجود الإسماعليين، ودُهش حين علم حينها أن هناك أناس في إيران لهم ولاء لإمام من نسل إسماعيل، وإسمه شاه خليل ويقيم في قرية "كيك" بالقرب من مدينة "قم"، ويوجد أيضًا أتباع لهذه الطائفة في الهند يسموا بطائفة الخوجا، وقد قُتل هذا الإمام وتولى ابنه أغاخان الإمامه خلفًا له، وقد قام أغاخان بثورة فاشلة على شاه إيران، خرج على إثرها إلى الهند، وإستقر بها، وقام بعض أعضاء طائفته في مومباي بالخروج عليه ورفض تقديم الطاعة له، إلا أن محكمة مومباي حكمت بعد بحث طويل وثري في تاريخ الحشاشين بأن طائفة الخوجا جزء لا يتجزأ عن الطائفة في سائر أنحاء الهند، ووجب عليهم تقديم الطاعة إلى أغاخان.

تاريخ الحشاشين بالتفصيل

بعد أن إستعرض الكاتب بداية معرفة الحشاشين في المصادر الغربية ينتقل إلى شرح تاريخ الحشاشين شرحًا دقيقًا ومفصلاً، فيبدأ بنشأة الشيعة، وذلك بعد رفض طائفة من المسلمين ولاية معاوية ومطالبتهم ألا تخرج الخلافة من بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأسهب في شرح بعض النزاعات التي حدثت أثناء الفتنة، إلى أن وصل الكاتب إلى انقسام الشيعة إلى طائفتين هما الإسماعلية  والإثنى عشر، وقد حدث هذا الإنقسام عندما حرم الإمام السادس جعفر الصادق ابنه الأكبر إسماعيل من خلافة أبيه، وإعترف عدد كبير من الشيعة بأخيه الأصغر موسى الكاظم بإعتباره الإمام  السابع، وتتابع الأئمة فيما بعد إلى أن إختفى الأمام الثاني عشر، وهو الإمام المنتظر حتى الآن عند الشيعة الإثنى عشرية، وهم يمثلون أغلبية الشيعة.

وقد تبعت جماعة من الشيعة "إسماعيل" وإعترفت به كإمام، وأطُلق عليهم الإسماعيليين (الحشاشين)، وقد بدأ الإسماعليون نشاطهم في الخفاء، ويعتبر الإمام هو مركز النظام الإسماعيلي فهو معصوم وموحى إليه، وهو مطلع على الحقائق المخفية وأوامره تقتضي الطاعة التامة دون نقاش، وكان مسئول عن نشاط الفرقة ونشر دعوتها هيئة دعاة يرأسها الداعي الأكبر الذي هو المساعد المباشر للإمام.
وقد نشط النشاط الإسماعيلي في جنوب العراق واليمن وشوطئ الخليج العربي، إلا أنه لم يثمر هذا النشاط  إلا هناك في أقاصي العالم الإسلامي في شمال إفريقيا، وقد وصلوا هناك إلى درجة من القوة دعت الإمام المستور إلى الظهور، وأعلن نفسه خليفة في شمال إفريقيا، ولقب نفسه بالمهدي، وهكذا نشأت الدولة الفاطمية بدعوى أنها من نسل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم.

بعد 60 عام من إقامة الخلافة الفاطمية في شمال إفريقيا، دخل الفاطميون مصر، وأقاموا المسجد الأزهر ليكون منارة لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، وانتقل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة حتى أنه نقل رفات أبائه وأجداده معه، وبعد عقود من ازدهار الدولة الفاطمية بدأت الدولة تنهار، خصوصًا بعدما أصبحت السلطة الفعلية في يد أمير الجيوش بداية من الأفضل بدر الدين الجمالي الذي زوج ابنته لابن الخليفة المستنصر الأصغر المستعلي، وبمجرد وفاة الخليفة الثامن الذي كان خليفته ووريثه الشرعي ابنه نزار، قام الأفضل بإعلان المستعلي زوج ابنته الخليفة، وعلى غرار ذلك فر نزار إلى الأسكندرية، وهبت ثورة محلية سرعان ما أُخمدت، وقُتل نزار و،أعلن الشيعة الشرقيون رفضهم الاعتراف بالخليفة الجديد، وأعلنوا ولائهم لنزار وخطه، وبدأت الدولة الفاطمية القائمة على نظام الخلافة بالتمزق والإنهيار، خصوصًا بعد إنقسام المذهب الإسماعيلي، وإنقسام الولاء بين إمامين هما المستعلي ونزار، وكان ذلك من أسباب نهاية الدول الفاطمية وإعلان الدولة الأيوبية، وإنتهت بذلك دولة الشيعة الإسماعيلية، وبدأت بعد ذلك الدعوة الجديدة التي قادها الثوري حسن الصباح.

حسن الصباح والدعوة الجديدة

بعد انهيار الدولة الفاطمية، احتاج المذهب الإسماعيلي لمن يجدد الدعوة له، وينشر الفكر الإسماعيلي، وقد قام حسن الصباح الذي ولد بمدينة "قم" بإيران بهذا الدور على أكمل وجه، وظل يجوب البلاد للدعوة للمذهب الإسماعيلي الذي لم يكن مقتنع به بادئ الأمر، حيث أنه ولد على المذهب الإثنى عشري، إلى أن التقى بأحد الرفاق (وهو تعبير يطلقه الإسماعيليون على أنفسهم)، ودعاه هذا الرفيق إلى المذهب الإسماعيلي، ثم أبحر هو في العلوم إلى أن ذهب إلى مصر وتعلم على يد دعاة كبار إبان حكم الدولة الفاطمية، وأصبح من كبار الدعاة، وقد ركز حسن الصباح دعوته في إقليم الديلم أقاصى شمال فارس، وقد وجد إستجابة كبيرة هناك، حيث إستقر في قلعة "ألموت" التي كانت في مكان حصين، ويُقال أنه لم يخرج منها حتى مماته، وكانت تستخدم هذه القلعة في عمليات الإغتيال السياسي، حيث كانت هناك قائمة شرف يوضع فيها كل من ينفذ أمر بالإغتيال، وكان معظمهم يلقى حتفه، وبعد أحداث عنف كثيرة، حدثت غارات عسكرية على ألموت وبعض القلاع التابعة للإسماعيليين، ولكن تم صدها جميعًا، وظل حسن الصباح يرسل دعاته في بلاد فارس ويستولي على القلاع والبلاد، وقد أرسل دعاته إلى سوريا حيث كان هناك أناس يدينون بالمذهب الإسماعيلي، فكانت المهمة ميسورة على دعاته، وقد كانت سوريا مغنم للإسماعليين حيث كانت طبيعتها الجبلية تناسب العمل السري للإسماعيليين (الحشاشين) من عمليات إغتيال وتخفي في الصحاري والجبال، بعكس العراق صاحبة الوديان النهرية التي لا تناسب العمل السري، وقد عمل الدعاة في سوريا بنفس إسلوب فارس، فإستولوا على القلاع، وكانت تلك القلاع مصدر رعب لكل الحكام الإمارات والممالك المجاورة، لما إشتهروا به بعمليات الاغتيال السياسي،  وكان يسمى سيدهم في سوريا باسم شيخ الجبل، أو "بير" بالفارسية التي تعني شيخ، والجدير بالذكر أن حسن الصباح ودعوته الجديدة كانت ولائها للإمام نزار، الذي سلب حقه أمير الجيوش الأفضل لصالح زوج ابنته المستعلي.

نهاية الحشاشين

بهجوم المغول على الشرق الإسلامي وصد السلطان بيبرس لهم، كانت نهاية قوة الحشاشين، فقد قطع بيبرس من أراضي الحشاشين إلى أحد كبار قواده، وبعد ذلك إستسلم الحشاشين تمامًا له في سوريا وأصبح هو من يعين قوادهم بدلًا من سيد ألموت، وبعد إستسلامهم هذا أصبحت خدماتهم الماهرة تحت تصرف بيبرس، حيث يذكر الرحالة المغربي ابن بطوطة "أنه عندما كان يريد السلطان بيبرس أن يرسل أحدهم لإغتيال أحد أعدائه يدفع له ثمن دمه، فإذا إستطاع القاتل أن يفلت أخذ هو النقود، وإن قُتل أو وقع في الأسر كان يعطي المال لأولاده".
وعلى الجانب الآخر قدم سيد ألموت في فارس الولاء للمغول تقية لدمارهم ووحشيتهم، وبذلك قد إنتهت أسطورة الحشاشين التي أرعبت حكام المسلمين والصليبيين على السواء، ولكن قد بقيت بعض أتباع الفرقة الإسماعيلية في إيران واليمن والهند، منهم من يطلق عليهم البهرة (المستعلية) المستقرون في اليمن والهند وهم أتباع الإمام المستعلي، ومنهم من يطلق عليهم الخوجا (النزارية) ويعيشون أيضًا في الهند وإيران، وهم أتباع الإمام نزار.

 أتمنى أن أكون قد قدمت لكم الكتاب في صورة مبسطة حوت زبد معلومات هذا الكتاب القيم الذي يسلط الضوء على طائفة ضالة وثورية في التاريخ الإسلامي.. هدانا الله وإياكم سبيل الرشاد.

ـــــــــــــــــــــــــــ

عبدالحليم حفينة
12/6/2012

الخميس، 7 يونيو 2012

حرية العقيدة في الإسلام




لا شك أن حرية العقيدة من الحريات التي كفلتها جميع مواثيق حقوق الإنسان، وقد كانت قضية حرية العقيدة مسار جدل كبير على الساحة الفكرية والسياسية بل والقضائية أيضًا في العقود المنصرمة، وقد تجلى هذا الموضوع بقوة في الفترة الحالية على إثر دخول البلاد مرحلة إعداد دستور جديد يكون بمثابة ميثاق يضبط إيقاع المجتمع ويحدد العلاقة بينه وبين أفراده، وقد أبدى بعض المنتمين للتيار المدني تخوفهم من التعدي على حرية العقيدة وتقييدها في الدستور الجديد، وذلك بسبب دعوات بعض قوى تيار الإسلام السياسي، التي ترى أن حرية العقيدة قاصرة على أن يتحول الإنسان من أي دين (غير الإسلام) إلى أي دين سماوي آخر أو إلى الإسلام، والمخالف لذلك يطبق عليه حد الردة، وإيمانًا بعدم حجر الإسلام على حرية العقيدة رأيت أن أوضح مدى حماية الإسلام لحرية العقيدة، وأن الإسلام قولًا وفعلًا قد حمى حرية الإعتقاد وحق الناس في الإختيار حماية لا جدال فيها، وذلك كله مُدعم بالقرآن الكريم والسيرة النبوية.

السيرة النبوية ترسخ مبدأ حرية العقيدة
أراد الرسول الكريم أن يقدم لنا بسيرته وسنته قدوة نقتدي بها ونستنها من بعده، وقد قدمت لنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قيم التسامح وقبول الآخر وعدم الحجر على أفكارهم أو معتقادتهم أو التفتيش في ضمائرهم ونواياهم، وقد قدمت لنا قصة "عبدالله بن أبي بن سلول" قيمة كبيرة ألا وهي حرية العقيدة، والتأكيد عليها وترسيخها، وكان عبدالله بن أبي بن سلول هذا سيد قبيلة الخزرج في المدينة المنورة، وقد إشتدت المنازعات بينه وبين قبيلة الأوس وقد توصل القبيلتين إلى حل يقضي بإنهاء تلك النزاعات وهو تنصيب عبدالله بن أبي بن سلول حاكمًا على المدينة، وقد تزامن هذا الحدث مع قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتأسيس الدولة الإسلامية التي إتخذت من المدينة عاصمة لها، وتنصيب الرسول قائدًا وحاكمًا لها، وقد ألف الله بين قلوب المهاجرين والأنصار، وقد أحدث هذا الأمر حقدًا كبيرًا في قلب عبدالله بن أبي بن سلول، فقد نُزع الملك والسلطان، وكان يُظهر هذا الحقد حينًا ويُخفيه حينًا آخر، وظل يكيد للإسلام ويحاربه، وقد كان له ولد له نفس اسمه فكان يسمى "عبدالله بن عبدالله بن أبي بن سلول" وقد غضب ابنه لما يكيده للإسلام وذهب للرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
"يا رسول الله قد علمت المدينة أنه لا يوجد أحد أبر من أبيه مني فإن تريد قتله فأمرني أنا فإني لا أصبر على قاتل أبي" فرفض الرسول، ولما سمع عمر رضي الله عنه بعضًا من مكائده، قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه.. حتى لا يتحدث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه)
وعندما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال: يا رسول الله، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله: إنما خيرني الله فقال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ" {التوبة:80 } وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق.. فقام وصلى عليه رسول الله، فأنزل الله عز وجل هذه الآية:وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ {التوبة:84}

وتقدم هذه القصة نموذجًا رائعًا من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عن التسامح وقبول الآخر، فكيف أن عبدالله بن أبي بن سلول كبير المنافقين ويتعامل معه الرسول بهذا التسامح ولم يهدر دمه، بل رفض أن يقتله أحد، وصلى عليه واستغفر له؟!!

وردًا على من يستشهدون بحرب الردة على وجود حد الردة في الإسلام، أقول لهم أن حرب الردة كانت حربًا سياسية بالدرجة الأولى لتوطيد أركان الدولة والحفاظ على الدعوة في مهدها من الضياع، بعد أن خرج عن الدولة ونظامها قبائل كثيرة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تكن حربًا لأن نفر من المسلمين تحول عن الإسلام في أقاصي الجزيرة العربية!!

القرآن الكريم يحمي حق حرية الاعتقاد ويُقصر عقاب الردة على الآخرة

لم يأمر الله عز وجل في كتابه الكريم بقتل المرتد في موضع واحد، أو حتى بأي عقاب دنيوي، وقصر العقاب على الآخرة فقط، فهو وحده صاحب حق الدخول في السرائر والإطلاع على إيمان البشر، وقد أمرنا تعالى بالدعوة إلى دينه بالحسنى دون إرهاب.. يقول تعالى "
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" {النحل:125}

ويقول تعالى أيضًا "
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا"
ونجد هنا أن الله لم يكره أحد على الإيمان بل ترك حرية الاختيار للبشر مع التوعد بالعقاب في الآخرة للكافرين، ولم يحدد عز وجل عقاب دنيوي.

ومن الآيات التي تحمي أيضًا حرية الاعتقاد يقول تعالى "
كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ "
وبعد ذلك كله قال سبحانه : " إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ " آل عمران/86-89

ومن تفسير بن كثير لهذه الآيات يقول " قال ابن جرير : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ، [ ص: 71 ] ثم ندم ، فأرسل إلى قومه : أن سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لي من توبة ؟ قال : فنزلت : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) إلى قوله : (  إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)
ونجد في هذه الآيات كيف أن الله ترك باب التوبة إليه مفتوح، ولم يغلقه بحد الردة (القتل)!!

ثم نجد آية أخرى غاية في الإعجاز، يقول تعالى"ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" ( 41 )  {
المائدة}
 
 وترى في هذه الآية كيف أن الله يخفف عن الرسول الكريم حزنه، ولم يأمره تعالى بقتل المنافقين، ولكنه توعدهم بالعذاب العظيم.

وفي نفس السياق نجد قوله تعالى "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ( 137 ) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ( 138 ) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ( 139) {
المائدة}
ومن تفسير بن كثير لهذه الآية نجد قوله " قيل : هذا في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا"


وبالاستناد إلى الآيات السابقة نجد أن القرآن الكريم كفل حرية الاعتقاد كاملة دون نقصان للبشر، ولم يعط لأحدٍ حق في مصادرة حرية البشر في معتقاداتهم، ولم يأمر في موضع واحد بقتل المرتد أو تنفيذ عقوبة دنيوية بحقه سواء بالجلد أو بغيرها، فقد ترك للبشر حرية الإيمان أو الكفر كاملة في الدنيا، وترك العقاب إلى يوم القيامة.

 وتأكيدًا
على حماية الإسلام لحرية العقيدة، فقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف فتوى عام 2002 بإلغاء ما يسمى "حد الردة" والاكتفاء بالإستتابة، ويعتبر الأزهر هو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار الفتوى في مصر.
ومن هنا يؤكد لنا الإسلام دائمًا أنه دين حضاري وقد سبق الحضارات والأمم في بناء الدولة المدنية بمفهومها الواسع والشامل.. هدانا الله وإياكم سبيل الرشاد.

ــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
7/6/2012


الأحد، 27 مايو 2012

كل عامٍ وأنتِ في كامل إشراقكِ صديقتي


هي تلك اللحظة التي أحادثكِ فيها بقلمي، فتتراقص فيها الكلمات طربًا لذكركِ، فكلما مر طيفك أمام أوراقي إزدات بياضًا ونوراً، كقمرٍ إصطبغ بنوربدرٍ آخر، وللمفارقة أن تلك اللحظة توافق يوم ميلادك، فاليوم يزورني عشرون بدر فيغرق الكون كله في ضوء ميلادك.. لا أعرف سيدتي كيف يُنظم الشعر في مثل تلك اللحظات، ولكني أهدي بقلمي بعضًا مني إليكِ، في غير نظامٍ أو وزن وقافية، تلك هي عادتي في أوقاتي الفريدة التي أسرقها من رفاقي وأحبائي في درب الحياة، عن غير قصد أسرق بعضًا من سعادة من يومك هذا، فليس لي غير أيامك المشرقة ضيائًا لليالي العمر المظلمة، في يوم ميلادك عزيزتي أود لو أصفكِ بأروع ما خطته الأقلام، ولكني فقير بقلمي ووصفي إليكِ، فدعيني أتحدث عن "بشرى الردادي" بحالي وفقري هذا علّي أصيب من قدركِ شيئًا..
عرفتكِ سيدتي فدُهشت ببساطتك ورقيك، تحدثت إليكِ فودت لو لم ينتهي الحديث أبدًا.. أبحرتُ بداخلك فوجدت الحب هناك موج جامح، رأيت بداخلك بساطةً ونقاءً وصدقًا لم أصادفهم كثيرًا طوال عهدي بالحياة، ثقتك بذاتك أبهرتني عزيزتي، كتاباتك تغزو عالم الأدب في زي فارس ملثم يمتطي فرسًا عربيًا أصيلاً.. أستطيع أن أقول وبكل فخر أن "الدرويشة" التي أبهرت الجميع هي من أعز وأغلى الأصدقاء..

أتمنى لكِ في عامك الجديد كل خيرٍ وتوفيق، وكل تألقٍ وإبداع.. وأعدكِ بأني يومًا سأراكِ سيدة أدباء المغرب العربي والعرب جميعًا.

خالص التمنيات صديقتي الغالية بشرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــ    
عبدالحليم حفينة
27/5/2012



الأحد، 20 مايو 2012

أبوالفتوح = البرادعي



كنت من أشد المعجبين بعقلية البرادعي وجرأته في الحق منذ أتى إلى أرض المحروسة، وعندما كان موجودًا في سباق الترشح للرئاسة، كنت أراه الأصلح كرئيس يقود مصر نحو دولة العدل، وكان انسحابه بالنسبة لي ولمؤيديه صدمة كان علينا تجاوزها والقبول بالأمر الواقع، ومن ثم كان لزامًا علينا اختيار مرشحًا ثوريًا آخر على قدر المسئولية، وكان جليًا أن أقوى المرشحين الثوريين في الشارع هما الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والأستاذ حمدين صباحي، حينها إستحضرت صورة البرادعي في ذهني، هذا الرجل المتزن الهادئ الواقعي الذي يتحدث بمنطق يحترم عقولنا، بعيدًا عن الشعارات البراقة، ناهيك عن خبرته الإدارية وعمله على رأس منظمات دولية أثقلت خبرته الإدارية، فكان لإستحضار صورة الدكتور البرادعي في ذهني أثرًا بالغًا في مفاضلتي بين حمدين وأبوالفتوح، وقررت لا إراديًا أن أبوالفتوح هو الأقرب للبرادعي وأستطيع أن ألخص أسباب اختياري لأبوالفتوح في الآتي:
* خبرة الدكتور أبوالفتوح الإدارية الكبيرة، وذلك من خلال عمله على رأس إتحاد أطباء العرب وإدارته الناجحة لمنظمة الإغاثة التابعة لإتحاد أطباء العرب.

*الدكتور أبوالفتوح بوسطيته وعقليته المتفتحة سيكون حلقة وصل بين جميع التيارات بعد  حالة الإستقطاب التي طغت على المرحلة الانتقالية، فليس لمجتمع مفكك، يطعن كل طرف فيه في وطنية الطرف الآخر أن يحقق تقدم ورقي، وفي رأيي أن الدكتور أبوالفتوح هو المرشح الوحيد القادر على إنهاء حالة الإستقطاب الموجودة وتوحيد الصف لبناء مصر القوية، وأعتقد أن هذا التوحد يظهر في حملته الانتخابية وفي تعدد إتجاهات داعميه.

*أهم ما يميز برنامج الدكتور أبوالفتوح، انه قائم على فريق عمل يضم خبراء من جميع التيارات مما يضمن لنا أنه ليس برنامج إنشائي كغيره من البرامج الأخرى.

* غياب لغة الأنا في خطاب أبوالفتوح الذي يتميز بالمرونة والوقوف على مسافات متساوية من جميع التيارات ودون أن يستعدي تيار لحساب تيار آخر، ومع ذلك فهو واضح في ما يقدمه من رؤية وفكر.

*مواقف أبوالفتوح من الحريات العامة مطمئنة إلى حد كبير، فزيارته للعبقري الراحل نجيب محفوظ عام 2005 للإحتفال معه بعيد ميلاده بعد محاولة قتله على يد متطرفين إسلاميين، كانت تحديًا واضحًا للإرهاب الفكري من رجل محسوب على التيار الإسلامي، مع العلم أنه الوحيد من قيادات التيار الإسلامي الذي قام بمثل تلك الزيارة.

الخلاصة أنني أرى أن الدكتور أبوالفتوح هو الأقرب للدكتور البرادعي، من حيث الخبرة الإدارية، والمصداقية، والرؤية التي يتميز بها عن كثير من المرشحين الموجودين.. وفي حقيقة الأمر أني سأصوت للدكتور أبوالفتوح وأنا مرتاح الضمير تمامًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
20/5/2012

الخميس، 10 مايو 2012

مدينة قلين بين سحر الحاضر وعبق التاريخ



لا أخفي عليك سرًا يا صديقي، فنفسي تتوق إلى الهدوء والسكينة، والانشغال بوداعة نسمة الريف عن ضجيج المدن وصخبها، وليس هناك نسمة ريف أحب إلى قلبي من تلك النسمة التي أستنشق عبيرها في مدينتي الصغيرة فتعود الحياة إلى كياني من جديد وكأن روحي تسري في جسدي لتوها منذ خُلقت، ربما يأسرك الفضول وتود لو أُخبرك باسم تلك المدينة التي سحرتني وأحيتني نِسمتُها، لن أطيل أسرك كثيرًا، سأصرح لك بها وسأخبرك عنها خبرًا.. أما عن التصريح فمدينتي تلك هي " قلين " القابعة في كنف الطبيعة الساحرة بريف مصر الخالد، فتقع في عمق الدلتا تمامًا بمحافظة كفر الشيخ، أعلم أن الفضول عاد ليأسرك من جديد لتقف أمام اسم " قلين " مشدوهًا، وتتساءل لماذا يا ترى حملت هذا الاسم؟! وما معناه؟! وهل هو تاريخي أم مستحدث كغيره من الأسماء؟! الإجابة على تلك الأسئلة في الخبر الذي وعدتك بإخبارك به أنفًا علّك تتحرر من فضولك يا صديقي للأبد.

ربما تكون قد قرأت أو سمعت عن "دقليديانوس" هذا الإمبراطور الروماني الذي اعتلى عرش الإمبراطورية الرومانية عام 284 م، وقد أبدى هذا الإمبراطور الوثني تعاطفًا ملحوظًاً مع المسيحيين في بداية عهده، ولكن ما لبس أن عين ميكسيميان عام 286 م إمبراطورًا على الشرق، ومنذ هذا التاريخ البائس ذاق المسيحيين ألوان العذاب وأشد أنواع الاضطهاد، حتى أنه سُمي بعصر الشهداء.

وفي تلك الأثناء أصدر دقليديانوس منشورًا بتقديم الذبائح للأوثان، وقد عارضت كتائب كثيرة من الجيش هذا المنشور وكان منها الكتيبة الطيبوية التي كان أبنائها من مدينة الأقصر، وقد رفضت هذه الكتيبة تقديم الذبائح للأوثان ورفضت أيضًا القسم على القضاء على المسيحية في بلاد الغال (فرنسا حاليًا)، وكان جزاء تلك الكتيبة الموت بالكامل.

وكان من بين الذين رفضوا الإذعان لهذا المنشور القديس "أبسخيرون القليني" الذي ولد بمدينة قلين، وكان ضمن جنود الفرقة التي كان بأتريب (بنها)، وكان جنديًا قويًا وشجاعًا، وعندما علم الوالي بعصيان القديس أبسخيرون لأوامر ومنشور الإمبراطور أمر بسجنه ونفيه إلى الصعيد لتعذيبه كما كان متبع حينها، وهناك عُذب إلى أن أمر الوالي بقتله بعد أن أظهر معجزات كثيرة وفقًا لبعض الروايات.

وكان أهل قلين في ذلك الوقت قد أقاموا كنيسة وأطلقوا عليها اسم " كنيسة القديس أبسخيرون القليني" وكانوا يتشفعوا فيها بالقديس أبسخيرون القليني بن بلدتهم، وقد قيل أن أهل قلين كانوا يعينوا ليلة محددة لعقد الزيجات وذلك لصعوبة المواصلات حينها، وتوافق تلك الليلة مع موسم الحصاد، وفي إحدى هذه الحفلات قد تجمع نحو مائة شخص في الكنيسة، وفي أثناء الليل إجتمع مجموعة من مضطهدي المسيحية  لقتل من بداخل الكنيسة، ولكن سرعان ما نُقلت الكنيسة بمن فيها إلى البيهو في صعيد مصر، قبل أن ينفذ المضطهدون ما تآمروا عليه، وعندما خرج الناس في الصباح وجدوا أنفسهم في بلدة غير بلدتهم، حينها ظهر القديس دون أن يعرفوه، واصطحبهم حتى شاطئ النيل، وما إن ركبوا السفينة حتى وصلوا في يوم عوضًا عن ثلاثة أيام، وعند وصولهم قلين لم يجدوا الكنيسة ووجدوا مكانها بركة ماء، أُطلق عليها فيما بعد بحيرة الفليني.

قد تبدو الحكاية أسطورية، ولكن الثابت تاريخيًا أن مدينة قلين سُميت نسبة للقديس أبسخيرون القليني، وكما أن قلين الآن ساحرة بنقائها وصفائها، وبعبير نسماتها، فهي أيضًا خالدة في التاريخ، وراسخة في وجدان البشرية.. تلك هي مدينتي.

ــــــــــ

عبد الحليم حفينة

10/5/2012

الأحد، 29 أبريل 2012

هكذا تعلمنا الثورية!



ليس نبلًا ألا تنصر مظلومًا لمجرد أنك تختلف معه فكريًا، فالحق حق أن يتبع، فالحر من يدافع عن حرية الآخرين ويموت من أجلها قبل أن يدافع عن حريته، هذا ما تعلمناه من أدبيات الثوار الذين نهيم بهم عشقًا مثل ارنستو جيفارا، وما يحدث في إعتصام العباسية ليس ببعيد عن تلك المبادئ، فقد تختلف مع مؤيديين أبوإسماعيل وقد تعارض الإعتصام نفسه وتصب لعناتك على شباب الثورة وحركة 6 إبريل الذين نزلوا لمساندة أنصار أبو إسماعيل ضد طغيان وجبروت مجلس العار ، ولكني مع ذلك مؤمن إيمانًا لا شك فيه أنك يا صديقي تؤمن بحرمة الدم المصري، وشديد الإيمان بخيانة من يبيحه للوطن، فإلى الآن رحل عنا 12 شهيد، تلك الدماء التي سالت مصرية ولونها بلون دمائك التي تجري في عروقك، فليس هناك فرق بينهم وبينك أمام الرصاص، الفرق الوحيد أنهم أمام الرصاص الآن وأنت لا تزال تجلس في بيتك.


 يا صديقي ( العلماني والليبرالي واليساري والسلفي والإخواني ) دمائنا واحدة.. روحنا واحدة، فلا تترك أهوائك ونزاعاتك الأيدلوجية تتحكم في مواقفك، ما يجب أن تفعله أن تنزل في كل الميادين، تعلنها قوية " يسقط يسقط حكم العسكر "  ليس هناك ما يمنعك، سوى أنك تتخاذل في الدفاع عن حق أرواح مصرية، ليس هناك مبرر لجلوسك في المنزل غير أنك تخشى صوت الرصاص.. إعلم أن يومك أتٍ وأن لا راد لقضاء الله، ُمت مرفوع الرأس ولا تمُت كما النعاج.. فالتاريخ سيذكر حتمًا أن في هذه البلد خرج شباب لا يهابون الموت في سبيل الحرية، وتخاذل عن نصرتهم آخرون يرتعدون أمام فرعون وجنوده!

يسقط يسقط حكم العسكر

ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
29/4/2012


الخميس، 5 أبريل 2012

أحسَبها بألفٍ مما يعدون!



إذا سألت أحدهم مع أم ضد نزول المرأة للتظاهرات؟!.. سيجيب فورًا بعصبية مفتعلة قائلًا " بالطبع لا" ثم يبادرك هو بسؤالٍ إنفعالي " هل توافق أن تنزل زوجتك في مظاهرة؟! هنا قد تتلعثم ولا تعرف بماذا تجيب؟! أعلم أنك تريد ألا يتتبعك بنظرة احتقار وأنت منصرف، ولكن لا عليك يا صديقي.. سأجيب عنك أنا هذا السؤال.. إنني أتشرف وأفتخر بأن تنزل زوجتي تظاهرة لتنادي بحرية ألاف الرجال وبحقوقهم المسلوبة، ولكن لسوء الحظ لم أتزوج بعد!
عندي أسبابي التي تجعلني أتشرف بخروج زوجتي في تظاهرة، فثورتنا "المسلوبة" كانت نموذجًا عبقريًا تجلى فيه  دور المرأة المصرية، ولقد رأيت نماذجًا تكاد تبكي لروعتها وعظمتها، فلن أنسى أبدًا يوم جمعة الغضب عندما رأيت مشهد إمرأة - يفترض أنها متسولة – تحمل رضيعها على كتفيها وتنادي بعلو صوتها "الشعب يريد إسقاط النظام" ياالله لكم دوى صوتها في أعماقي! صوتها الضعيف المبحوح ينادي "الشعب يريد إسقاط النظام"!.. وتلك المرأة العجوز التي تتكئ بيدها على إبنتها وبيدها الأخرى على عصا تصرخ فينا "خليكوا رجالة - مشوه من البلد"، أقسم بأنني كنت أشعر بضآلة في نفسي لم أشعر بها أبدًا، وودت لو أقبل قدميها شكرًا لها وامتنانًا، ولم يتوقف دور المرأة عند التظاهرات وحسب، بل رأيناها في اعتصامات  التحرير في أكثر الأيام خطورة، بل ورأينا أيضًا بعض نساء الإخوان حاضرات في قلب التظاهرات والاعتصامات، وكانت المرأة حينها تقف في الصفوف الأمامية مع الرجال عند الاشتباك مع الأمن أو مع البلطجية وقت أن كان يحرم بعض من في البرلمان الآن الثورة والخروج على الحاكم!

وتتابعت الأحداث بعد التنحي وكانت المرأة المصرية حاضرة وبقوة في كل الاعتصامات الثورية ، وتعرضت لانتهاكات جسيمة من سحل وضرب وتعرية وكشف للعذرية وغيرها من الإنتهاكات، وصمدت المرأة المصرية بشموخها المعتاد طوال أكثر من عام، وكرمها العالم بأكمله وتفاخر بها، ومازال يهينها البعض ويعتبر خروجها من أجل الحرية والسعي من أجل الكرامة عارًا!! وتناسى هؤلاء أن الجبن والخضوع للظلم وللإهانة أكبر عار في الدنيا.. فكل الاحترام والاجلال لكل إمرأة تدافع عن قضية وتحارب من أجلها، فإني والله أحسبها بألفٍ مما يعدون! 



ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
5/4/2012

رابط المقال على موقع العرب اليوم
http://www.arabstoday.net/fuqkgj-fkgg-gejmqkq-hceb-ffg-kyig-259861.html

السبت، 31 مارس 2012

فريق "إمسك حلم".. ُحلمٌ أسرني!



لم أكن يومًا من هواة إرتياد المسارح، ولم أرهق نفسي في البحث عن فرقة مسرحية تجسد لي عبقرية ما أقرأه من مسرحيات، بل كنت أرى في الفرق المسرحية الموجودة ركاكة لا ترقى لتجسيد روعة ما أقرأه من إبداعات أدبية طالما همت بها وإستمتعت بقراءتها تحت ضوء أباجورتي العتيقة، ولكن هذا الرأي وهذه الفكرة لم تكن إلا تقصيرًا مني في متابعة المسرح، وإهمالًا لا أنكره في متابعة فنون قد تغير وجهة نظرك في الحياة وفي الكون وفي أسباب العيش وسبلها بأكملها، لم أكن قد كونت رأي عن الفن بأكمله، فكنت أرى منه الهادف ومنه المسف، وللأسف كان يطفو على سطح حياتنا اليومية المبتذل منه، وإنتشرت في السنين الأخيرة وجهات نظر وفتاوى دينية تحرم الفن بأكمله، لم أكترث كثيرًا لكل هذا الصخب المجتمعي الموجود وأكتفيت بأن أظل قابعًا في كوخي الذي صنعته في خيالي لأقرأ وأتعلم من الأدب، إلا أن جاء اليوم الذي تغيرت فيه رؤيتي عن المسرح أو بالأحرى تكونت.


 كان يوم حفل إفتتاح "برلمان شباب الأسكندرية" بمكتبة الأسكندرية الخالدة، والذي نظمه شباب "مبادرة أدوار" الأكثر من رائعين، والذي قادني القدر وحده لحضوره، حضرت الحفل إلى نهايته وقبل أن أستعد للرحيل ظهر على المسرح شاب لم أره طوال الحفل فلم يكن أحدًا من المقدمين أو المنظمين.. أخذ يختال على المسرح ويلقي بالقفشات والنكات لم أستسيغ أسلوبه في البداية ربما لأني لم أكن أعلم ماذا يحدث بالضبط ، ولكن بعد قليل من من التركيز مع هذا الشاب، بدأت أضحك وأضحك إلى أن كدت أموت ضحكًا، إنه عرض مسرحي - حينها فقط أدركت - .. بدا العرض كوميديًا، وقلت في نفسي لنروح عن أنفسنا قليلًا بعد العصف الذهني الذي كنا فيه منذ قليل.. بدأ العرض وأخذ أعضاء الفريق بالظهور على المسرح واحدًا تلو الآخر، وبعد قليل ُغصت في عمق العرض وفي فكرته، كان العرض يصور مأساة شاب وفتاة لا يستطيعون إلى الزواج سبيلًا.. لخص العرض ببساطته وأسلوبه الساخر - الأكثر من رائع – مصربكل ما تعانيه من مشاكل تلخصت في أزمة محبين لا يستطيعون الزواج.. كان العرض رائعًا بكل ما تعنيه الكلمة، وأكثر ما أبهرني هو الأداء المدهش لكل أعضاء الفريق.. "فريق إمسك حلم".. خرجت بعدها من الحفل متناسيًا كل تفاصيله عدا العرض المسرحي، وكأن الحفل بأكمله تمخض ليقدم لنا هذا العرض العبقري.. كان إسم العرض "بكره".. وتمنيت أن يأتي "بكره" لأرى هذا الفريق أعظم فريق في مصر والعالم، ويجوب أنحاء المعمورة بإبداعه ليصل بعبقرية الفن المصري إلى وجدان العالم بأكمله، كما وصلوا إلى وجداني وغاصوا فيه، خرجت يومها من العرض بشعور من الرضا عن النفس لا أصل إليه إلا قليلًا، وكأني أنا من قدمت العرض وكأنني من أبدعت، كان يومًا بديعًا بحق، وتمنيت لو أرى كل المسرحيات وكل الروايات التي أقرأها وسأقرأها عرضا حيًا.. حينها فقط أدركت قيمة الفن وقيمة المسرح وكيف أنه يهذب النفوس، ليست النفوس فقط وإنما الفكر أيضًا.. لا يسعني إلا أن أقدم جزيل الشكر والعرفان بالجميل لجميع القائمين على العرض، فأنا مدين لهم بكل المشاعر الطيبة التي حملتها وبكل فكرة راقية داعبت ذهني، وبكل قيمة رسخت في وجداني.. وما أتمناه وأحلم به أن أرى في بلدي فنًا كهذا وأن يسلط عليه الضوء، فهذا الحلم لا يقل في قيمته عن كل حلم حلمنا به قبل الثورة وزاد التشبث به بعد الثورة.. فبكل صدق هذا الفريق "إمسك حلم" حُلمٌ أسرني!




ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة 
31/3/2012
الرابط الخاص بصفحة فريق "إمسك حلم" على الفيس بوك
https://www.facebook.com/pages/%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%85%D8%B3%D9%83-%D8%AD%D9%84%D9%85-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/172900159452730

الثلاثاء، 27 مارس 2012

بالمنطق.. لا أرى أبو إسماعيل رئيسًا!



أحب كثيرًا الآراء المبنية على المنطق والتفكير العقلاني، وأمقت تلك المبنية على الانتمائات والإيدلوجيات، فليس لمجرد أنني لا أنتمي للتيار الإسلامي أحكم على من ينتمي إليه بالفشل أو بعدم الصلاحية لأمرٍ ما، ونحن الآن بصدد إختيار رئيسًا للجمهورية، وهو أرفع منصب في الدولة، مع العلم أن صلاحيات الرئيس مازالت في علم مكتب الإرشاد.. إلا أننا سنهيئ أنفسنا لاختيار رئيسًا ربما تكون له صلاحيات كبيرة، فلابد من اختيار الأصلح والأجدر لقيادة دولة  من بين عشرات الأسماء المطروحة.
ومن بين جميع المرشحين وبرؤية بسيطة للموقف ترى أن هناك حشدًا هائلًا لدعم أبو إسماعيل من التيار السلفي، يذكرني بالحشد للانتخابات البرلمانية ومن قبلها التعديلات الدستورية، وهذا ما يجعلني أرى الفرصة كبيرة لفوز حازم صلاح أبو إسماعيل، فنتيجة الحشدين السابقين معلومة للجميع، ولكن دعونا نتجرد من كل هذه النتائج والحشود ونحكم على المرشح حازم صلاح أبو إسماعيل بمنطق وحيادية. 
في البداية أنا أحب هذا الرجل وأقدره لنقائه وبساطته، حتى وإن اختلفت معه في الفكر والمنهج، فهو شخص يستحق كل الاحترام والتقدير، ولكن نحن هنا ليس لنقد شخصه، وإنما نحن نستعرض قدراته التي تؤهله لقيادة دولة.

أولاً العمل العام: من المفترض في رجل يطرح نفسه للناس مرشحًا للرئاسة أن يكون له باع طويل من الكفاح في العمل العام، والمشاركة الفاعلة والنشطة في الحياة العامة، وهذا لم نره من الشيخ حازم قبل الثورة، فغالبية من عرفه من الشعب المصري لم يعرفه إلا بلقب الداعية أو الشيخ، ولم يعرفه الناس يومًا ناشطًا حقوقيًا بحكم عمله في المجال الحقوقي، أو رئيسًا لنقابة المحامين، أو نائبًا برلمانيًا، أو في أي مكان يؤهله للعمل العام والتفاعل مع مشاكل الناس، فليس هناك ما قدمه أو ما يميزه في العمل العام ليقدم نفسه من خلاله مرشحًا لرئاسة الجمهورية! فشأنه كشأن آلاف المحامين المحترمين!

ثانيًا النضال السياسي وحلم التغيير: أعتقد أن رئيس ما بعد الثورة لابد أن يكون من أولئك الذين دعوا للثورة وكانوا ضمن وقودها، فأقدر شخص على إتمام أي عمل هو من بدأه أو من شارك في الإعداد له على الأقل، والرئيس القادم من المفترض أنه من سيحقق مطالب الثورة، أما الأستاذ حازم صلاح أبو إسماعيل شأنه في الثورة كشأن الملايين المشاركة، وموقفه قبلها – وقت أن كنا نحلم بها – لم يتعدى التلميح وليس التصريح، وإن صرح أحيانًا في ندوة أو برنامج تلفزيوني، ولكنه لم يشارك يومًا القوى الوطنية في مواجهة نظام المخلوع، فأين كان الشيخ حازم وقت أن كان ُيسحل الدكتور عبدالوهاب المسيري المفكر الإسلامي الكبير أمام نقابة الصحفيين في أثناء المشاركة في فعاليات حركة كفاية؟! أين كان من أحداث 6 إبريل في المحلة عام 2008؟!! لم أرى له موقف مسجل واحد يدعم فيه أحداث المحلة أو أي من الفعاليات الثورية قبل الثورة، أين الشيخ حازم من الجمعية الوطنية للتغيير التي حملت ُحلم الثورة؟!! وطافت به أنحاء مصر والعالم، الخلاصة أن الشيخ حازم لم يشارك في أيٍ من الفاعليات الثورية قبل الثورة بخلاف بعض أقرانه من المرشحين ومنهم على سبيل الذكر الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والأستاذ حمدين صباحي، ففرسان التغيير هم أحق بقيادة البلد، ولمن لم يعرف، أنه لم يتم إعتقال الشيخ حازم مرة واحدة في تاريخه، وليس الإعتقال بمقياس، ولكنه مؤشر من مؤشرات النضال السياسي، وضريبة دفعها كل من آمن بالتغيير.. فكيف سيحقق التغيير من لم ينادي به ومن لم يدفع ضريبة النضال من أجله؟!!

ثالثًا الوضع الخارجي والعلاقات الدولية : أعتقد أنه من الواضح للجميع أن الشيخ حازم رجل طيب وخبرته واسعه جدًا في مجال "الجلسات العرفية"، كما قال هو في لقائه الأخير مع خيري رمضان، أستحلفك بالله ياشيخ حازم هل يصح أن يكون مؤهل رئيس جمهورية هو الخبرة في الجلسات العرفية؟!! ألا يستحي مرشح لرئاسة جمهورية من المفترض أنه سيجالس زعماء العالم أن يقول أن هذا ضمن خبراته الواسعة!! الشيخ حازم ليست لديه أي علاقات خارجية أو خبرات دولية ُتذكر بخلاف رحلته للولايات المتحدة أثناء انتخابات الرئاسة هناك، فالشيخ حازم لم ُيشارك في أي منظمة دولية، ولم نسمع أن بحث من أبحاثه الدستورية العظيمة - الذي لم يترك مناسبة إلا وتحدث عنها – ُنشر في مجلة عالمية مختصة بالقانون، أو حاز على جائزة عالمية بسبب دراسة من دراساته العظيمة.. أظن إن كان لدى الشيخ حازم أي خبرة سياسية ُتذكر فهي إمتهانه للمحاماة نفس مهنة  الرئيس الأمريكي أوباما، وذلك على حد قول وإدعاء الشيخ حازم نفسه!!

رابعًا البرنامج الإنتخابي : من الطبيعي أن يكون الكلام الجميل والمنمق جذاب، وإذا كانت الطريقة لطيفة وودودة فسيحوز على إعجابك فورًا، حتى إن لم يكن منطقيًا أو واقعيًا، وأكثر ما أعجبني في برنامج الشيخ حازم هو أسلوبه الجميل والهادئ في عرضه، أما البرنامج نفسه فمجرد أحلام كالتي كنت أحلم بها كل ليلة قبل النوم منذ كنت صغيرًا، وهذه الأحلام تفتقد للآليات والإمكانيات والموارد، وما يتحدث به الشيخ حازم ليس أكثر من كلام إنشاء بديع من الممكن جدًا أن يكتبه طالب نجيب في الصف الثالث الإعدادي، وقد نسف الشيخ حازم برنامجه الانتخابي في لقائه الأخير مع خيري رمضان نسفًا، وذلك عندما قال إن الأرقام المتداولة  - خصوصًا الإقتصادية منها - والتي إعتمد عليها في برنامجه كان فيها تلاعب كبير من قبل النظام السابق، وأنه يحتاج أربعة أشهر لكي يقوم بمراجعة دقيقة لتلك الأرقام!! العجيب هنا أن الشيخ حازم بنى برنامجه وتصوراته وحلوله على أرقام هو يعرف أنها خاطئة، فالشيخ حازم هو المرشح الوحيد الذي وضع حلولًا تفصيلية لكل المشاكل، مع أنه لا يعرف أبعاد تلك المشاكل بصورة واضحة وبالتفصيل كما ذكر هو بنفسه، إذن فما الداعي أن تقدم وعودًا وليس في يدك تنفيذها، الداعي الوحيد هنا ياسادة هو كسب مزيد من أصوات الغارقين في أحلام اليقظة ، ليس إلا!!

وفي النهاية أكرر بأني لا أنتقد شخص الشيخ حازم الكريم، ويعلم الله كم أحمل لهذا الرجل من حب وتقدير وإحترام، ولكني إستعرضت وناقشت قدرات رجل يقدم نفسه للشعب ليختاره رئيسًا، وهذا طبيعي ومقبول خصوصًا إذا كان النقد موضوعي، وأدعو الجميع إلى التفكير المنطقي المجرد من العواطف الآن حتى لا يسقط الوطن، وأدعو إلى تغليب مصلحة الوطن على مصلحة انتمائتنا وأيدلوجياتنا.. وأسأل الله سبيل الرشاد لي ولكم ولوطننا العزيز.


ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
27/3/2012

الأربعاء، 21 مارس 2012

شكوى على ضفاف الموت - قصة قصيرة -


كعهدي منذ زمن أنساب على المدق العتيق في طريقي إليه كما ينساب الماء في مجراه، أهفو إليه كعصفور ُمشتاق لعشه، فهناك في مرمى العين يرقد في سكون، أنتظر لقائه دائمًا بين الفينة والأخرى، فقد إعتدت أن ألقي إليه بهمومي وأذيب في حضرته أحزاني، ُأكمل مسيرتي إليه والنفس فيها ما فيها من إشتياق.. أقترب فتظهر لي في الأفق شواهد القبور، تحضر الرهبة في نفسي كلما أتيت إلى هنا كأنه أول لقاء، أتذكره كأنني كنت معه بالأمس، فتحضرني الآن إبتسامته فأرفع رأسي إلى السماء قائلًا: كم أنت عظيم ياربي تنبت في جسدِ فانٍ إبتسامة فتصبح ذكرى بعد الرحيل!.. سبحانك ربي لك الأمر من قبل ومن بعد!
أقترب أكثر ويوشك المدق أن ينتهي، أنظر خلفي فأرى دنيا الأحياء من بعيد بمجونها المعتاد، وبسمائها المصبوغة بلون الشفق الضارب للحمرة، فأعود وأنظر أمامي فأرى مدينة الموت يكسوها السكون، فلا مجون هنا ولا صلاح، فالكل أفضى بعمله إلى الله ورقد في سكون أبدي لا يعكر صفوه إلا صخب مرافقي الأموات حديثي العهد بهذه المدينة، أسلك طريقي إلى القبر المنشود فقد اعتدت ان تأخذني قدماي إليه دون أن أتكبد معاناة البحث، فأنا الزائر القديم الذي لم ينقطع عن الإتيان هنا منذ زمن بعيد، فكل السكان هنا أعرفهم بالاسم، نعم أعرفهم بالاسم فقط.. فعلى يميني هنا يرقد المرحوم عباس الهواري وعلى يساري يرقد المرحوم أحمد ماضي المتوفي عام 1963، فليس هنا أكثر من الأسماء وتواريخ الوفاة التي إعتدت أن آنس بقرائتها حتى أصل إلى قبر والدي، القبر الوحيد الذي لا يعلو شاهده اسم أو تاريخ وفاة، ولكني أعرفه من بين ألف قبر، فلونه الأخضر يسكن في وجداني.. الآن أقف أمام القبر والآن أيضًا أشعر بحرارة اللقاء، ألقي السلام أولًا ثم أشرع في قراءة الفاتحة "............ ثم أختم بـ "آمين".. أجلس أرضًا أخاطب والدي "كيف حالك ياوالدي العزيز أعرف أني منشغل عنك بالدنيا وهمومها، ولكنك تعرف أني أجئ إليك لكي ألقي بأحمالي هنا عندك، فليس لي بعد الله سواك، فالدنيا قاسية بدونك، لقد تركتني أصارع وحوشًا لا بشرًا.. لقد فقدت عملي والحياة في غاية الصعوبة، وكما تعلم أمي مريضة لاحول لها ولا قوة، حتى من أحببتها يا أبي تزوجت بغيري، فطريقي طويل وهي لا تحب الانتظار – فليوفقها الله في حياتها الجديدة -، فقدت كل شئ تقريبًا يا أبي ولكن ربما إنها الحكمة الإلهية الخالدة في فقدان كل شئ، ثم أجد في نفسي نبت من أمل ُيعيد لي أعظم من ما فقدته، وأنت يا أبي أملي وزاد روحي، تذكرك سلوان لي في أحلك الظروف، فليس لي سوى الاستعانة بالله والجلوس عندك هنا علّي أتخلص من همومي لديك.
أهم بالوقوف أمام القبر لأرى في الأفق البعيد مدينتنا فهناك البشر الذين لا نعترف بأدميتهم أحيانًا إلا هنا في قلب الموت.. هنا فقط يجول في خاطري الواقع المرير الذي تركته وجئت هربًا منه إلى هنا كما تعودت.. أتذكر أبي القاطن في تلك المدينة البعيدة، أبي الذي لم أره يومًا أبي إلا في هذا القبر، ياله من واقع صادم.. أزور أبي الحي في القبر وأقرأ له الفاتحة.. أناجيه وأشكو له حالي هنا وهو هناك حي يرزق، ولكن ماذا عساي أن أفعل؟! وما السبيل إليه في الدنيا وهو دائم الهجر والصد، أعرف طريقي إلى أبي هنا فقط منذ كنت صغيرًا أزور جدي، كنت أعاتبه على قسوته وجفائه هنا.. وبعد أن صرت رجلًا جئت أشكو له ُمر العيش علّ شكوايا تواسيني، أطرد الواقع المرير من رأسي.. ثم أعود لأقرأ الفاتحة لوالدي وأرحل في صمت.

تمت

ــــــــــــــــــــــــــ
عبدالحليم حفينة
9/3/2012

الجمعة، 6 يناير 2012

ـ مشردون..!ـ

ـ

عزيزي لاعن الثورة والميدان.. عندما ترى صورة الطفل المشرد ذي الثياب الرثة في ميدان التحرير تشير إليه فوراً في تيه وكأنك اكتشفت قُبحاً أخل بجمال الصورة.. هل تعرف سيادتك من هؤلاء المشردون؟ وكيف وأين يعيشون؟! ومتى بدأ عهدهم مع تلك الحياة البائسة؟!.. بالتأكيد لا تعرف سيادتك غير أن هؤلاء هم مثال للمظهر غير الحضاري.. فحضرتك لا تعرف معنى أن يقضي أحدهم عمره في الشوارع.. يبحث عن قوت يومه بين أكوام القمامة، وإن كان محظوظًا يجد من يعطف عليه ببقايا وجبة، ويكون هذا هو عيده الأكبر.. نعم أعلم تمامًا أنك لا تُقدر كل هذا لأنك وإن بلغ بك الفقر مبلغه، فبالتأكيد  لديك أسرة من أب وأم محترمين وإن كانوا  حتى غير محترمين!، المهم أن لديك من يخاف عليك ويحتضنك في المصائب الكبرى.. ربما إنك لم تفهم ولم تعِ تلك المعاني لأنك لا تفتقدها، وأيضاً لن يعيها أبداً هذا الهرِم المدعو كمال الجنزوري الذي أبدى إندهاشه من وجود أطفال 12 عام وسط الثوار.. وكأن الظلم لا يقع إلا على من هم فقط في سن الرشد ويشترط أن يكونوا من أولاد الذوات!، وله عذره طبعاً في ذلك فهو لا يعلم ما يعانيه الشعب ولا ما يعانيه أطفال الشوارع الذين وقعت الحكومة - التي كان سيادته جزءًا منها - شهادة ميلادهم من الشوارع.. هؤلاء الأطفال يدافعون عن حقوقهم كالتي لنا.. يدافعون عن إنسانيتهم حتى ولو إختلفت تلك المصطلحات عندهم.. فبالتأكيد هم ليسوا طلاب مدارس أجنبية حتى ينتقوا لسعادتك الألفاظ التي لا تؤذي مسامعكم الكريمة.. هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد متسولين أو مأجورين - يستخدمهم بعض المنتفعين من الفوضى - كما تتصور سيادتك هؤلاء أبطال بمعنى الكلمة.. وأذكر من مواقفهم البطولية المتكررة أن أحدهم دفع أحد الأصدقاء خلفًا عندما إشتدت المواجهات مع الأمن قائلًا له " خليك إنت يا بيه البلد عايزاك.. إنت متعلم..!!" هذا هو شعورهم تجاه وطن يلفظهم وشعب يحتقرهم.. يضحون بأرواحهم وهم على قناعة أن البلد ليست في حاجة إليهم.. يموتون على على عتبة دار دفاعًا عنها والدار تأبى أن تأويهم.. هؤلاء الأطفال الذين نحتقرهم نحن في نظراتنا وفي مجالسنا ونصورهم بوجه مصر البائس ليسوا إلا نتاج ظلم وقهر وتخلف ارتضينا بهم صاغرين أمام حاكم جبار.. نحن جميعاً مدينون لهؤلاء الأطفال أمام الله ثم أمام أنفسنا.. لأننا تركنا الظلم يتوحش أمام أعيننا أعوامًأ وأعوامًا دونما أن نحرك ساكنًا.. وأخيرًا أقول إن هؤلاء الأطفال هم وقود ثورتنا وهم من نقف لأجلهم الآن بعد أن خذلناهم عقودًا طويلة.. فلن نخذلهم ثانيةً أبدًا ما دمنا أحياء.. وما ضاع حقًا أبدًا وراءه مطالب
برجاء مشاهدة الفيديو على هذا الرابط

http://www.youtube.com/watch?v=_YWxr22JcuU

السبت، 17 سبتمبر 2011

رأي الدكتور مصطفى محمود في تطبيق الشريعة

رأي د/ مصطفى محمود في تطبيق الشريعة :
  


من أكثر العقول رجاحة وصاحب ُأفق واسع، وقد حمى بأفكاره المستنيرة الإسلام الوسطي من الإنهيار والإضمحلال، خصوصًا بعد غزو الفكر الوهابي للعقلية المسلمة وتوغله في العمق الإسلامي.. فإلى رأي الدكتور مصطفى محمود في الشريعة:

"إن الشريعة ليست مجرد حدود .. فالعدل شريعة والرحمة شريعة والعلم شريعة والعمل شريعة والله أمر بالعلم والعمل في أكثر من ألف موضع .

وأمر بقطع يد السارق في موضع واحد, وأول الأوامر مطلقا كان "اقرأ باسم ربك الذي خلق"

وبرغم هذا الأمر الصريح بالقراءة وهو الأمر الذي له (أولوية) مطلقة في الإسلام فنحن أمة لا تقرأ ولا تعقل بل نفكر في المظاهرات والهتافات والمسيرات لنطبق الشريعة ..

ولكن ما هي الشريعة .. إنها هذا كله .. إنها العلم والعمل والعدل والرحمة ومكارم الأخلاق ..

وهي ليست مجرد حدود .. وما الحدود إلا سياج الأمن والحماية الذي تضربه الشريعة حول خيمة المسلمين ..

ولكن الشريعة ككل أكبر من موضوع الحدود فهي قانون الرحمة العام وقانون الحب ودستور النماء والتطور للمجتمع الإسلامي .

وما أقول هذا الكلام إلا حباً في الشريعة وتمسكا بها وخوفا عليها من سوء النيات وسوء التفسير وسوء الفهم وسوء التطبيق وحرصا عليها من متاجرة المتاجرين المتآمرين".